الشيخ محمد هادي معرفة
147
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
من عظمة الربّ جلّ جلاله ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا ، يقولون : سبحان الملك القدّوس ، ربّ العزّة أبدا لا يموت ، بشدّة أصواتهم . فارتجّ الجبل ، واندكّت كلّ شجرة كانت فيه ، وخرّ العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ، ليس معه روحه ، فأرسل اللّه برحمته الروح ، فتغشّاه ، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى ، وجعله كهيئة القبّة ، لئلّا يحترق موسى ، فأقام موسى يسبّح اللّه ، ويقول : آمنت بك ربّي ، وصدّقت أنّه لا يراك أحد ، فيحيا ، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه ، فما أعظمك وأعظم ملائكتك ، أنت ربّ الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك ، ولا يَعْدِلك شيء ، ولا يقوم لك شيء ، ربّ تبت إليك ، الحمد للّه لا شريك لك ، ما أعظمك ، وما أجلّك ربّ العالمين ، فذلك قوله تعالى : « فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا » ، وبعد أن ذكر الأقوال الكثيرة فيما تبدّى من نور اللّه ، قال : ووقع في بعض التفاسير : طارت لعظمته ستّة أجبل ، وقعت ثلاثة بالمدينة : أُحد ، وودقان ، ورضوى ، ووقعت ثلاثة بمكة : ثور ، وثبير ، وحراء « 1 » . وهذه المرويّات وأمثالها ممّا لا نشكّ أنّها من إسرائيليّات بني إسرائيل ، وكذبهم على اللّه ، وعلى الأنبياء ، وعلى الملائكة ، فلا تلق إليه بالًا . وليس تفسير الآية في حاجة إلى هذه المرويّات ، والآية ظاهرة واضحة . ومن ذلك أيضا : ما ذكره الثعلبيّ ، والبغويّ ، عند قوله تعالى : « وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً » أي مغشيّا عليه ، وليس المراد ميتا كما قال قتادة . فقد قال البغويّ ، في بعض الكتب : إنّ ملائكة السماوات أَتوا موسى وهو مغشيّ عليه ، فجعلوا يركلونه بأرجلهم ، ويقولون : يا ابن النساء الحيّض ، أطمعت في رؤية ربّالعزّة ؟ « 2 » ! ! وهذا وأمثاله ممّا لا نشكّ أنّه كلام ساقط لا يعوّل عليه بوجه ، فإنّ الملائكة عليهم السلام ممّا يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل ، والغضّ في الخطاب . * * *
--> ( 1 ) - . تفسير البغويّ ، ج 2 ، ص 229 - 231 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 231 .